المقريزي
339
المقفى الكبير
بيته ونسائهم . فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهّزوا بها . وقد كان ابن زياد لمّا قتل الحسين بعث زحر بن قيس الجعفيّ إلى يزيد يخبره بذلك . فقدم عليه ، فقال : ما وراءك ؟ [ حسن معاملة يزيد بن معاوية لأهل الحسين ] قال : يا أمير المؤمنين ابشر بفتح اللّه ونصره : ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته ، وفي سبعين من شيعته ، فسرنا إليهم فخيّرناهم الاستسلام والنزول على حكم عبيد اللّه بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال على الاستسلام . فناهضناهم عند شروق الشمس وأطفنا بهم من كلّ ناحية . ثمّ جرّدنا عليهم السيوف اليمانيّة ، فجعلوا يبرقطون « 1 » إلى غير وزر ، ويلوذون منّا بالآكام والحفر ، لواذا كما لاذ [ ت ] الحمائم من صقر ، فنصرنا اللّه عليهم . فو اللّه يا أمير المؤمنين ما كان إلّا جزر جزور أو نومة قائل حتى كفى اللّه المؤمنين مؤونتهم ، فأتينا على آخرهم . فهاتيك أجسادهم مطرّحة مجرّدة ، وخدودهم معفّرة ، ومناخرهم مرمّلة تسفي عليهم الريح ذيولها بقيّ « 2 » سبسب تنتابهم عرج الضبّاع ، زوّارهم العقبان والرّخم . فدمعت عينا يزيد وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين . ثمّ قال : كذلك عاقبة البغي والعقوق - وتمثّل [ السريع ] : من يذق الحرب يجد طعمها * مرّا وتتركه بجعجاع وقيل : قال يزيد وقدم برأس الحسين محفّز [ 403 ب ] العائذيّ - عائذة قريش - على يزيد فقال : أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم . فقال يزيد : ما ولدت أمّ محفّز « 3 » ألأم وأحمق لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب اللّه تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] . ثمّ قرع بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشد بيت الحصين بن الحمام المريّ : يفلّقن هاما . . . إلى آخره . فقال له رجل من الأنصار : ارفع قضيبك ، فإنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقبّل الموضع الذي وضعته عليه . ثمّ أتى يزيد بثقل الحسين ومن بقي من أهله ونسائه ، فأدخلوا عليه وقد قرنوا بالحبال فوقفوا بين يديه . فقال له عليّ بن الحسين : أنشدك اللّه يا يزيد ، ما ظنّك برسول اللّه [ 501 ب ] لو رآنا مقرّنين في الحبال ، أما كان يرقّ لنا ؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت - وعرف الانكسار فيه . وقالت له سكينة بنت الحسين : يا يزيد ، أبنات رسول اللّه سبايا ؟ قال : يا ابنة أخي ، هو واللّه عليّ أشدّ منه عليك - ثمّ قال : أقسمت باللّه ، لو أنّ بين ابن زياد وبين
--> ( 1 ) يبرقطون : يهربون في غير نظام . ( 2 ) القيّ بالكسر : الاسم من قويت الدار : خلت ، وهو المكان البلقع . وهذا الوصف المتشفّي نقله الطبريّ ، 5 / 460 . ( 3 ) تعريف في الهامش بمحفّز : هو محفّز بن ثعلبة بن مرّة بن خالد بن عامر بن قنان بن عمرو بن قيس بن الحارث بن مالك بن عبيد بن خزيمة بن لؤي بن غالب بن فهر . وقيل له « العائذي » من أجل أنّ الحارث بن مالك بن عبيد أمّه عائذة بنت الخمس بن قحافة بن خثعم ، وبها يعرفون .